رسالة الخطأ

Notice :Undefined offset: 1 في counter_get_browser() (السطر 80 من /home1/tawenic1/public_html/ar/sites/all/modules/counter/counter.lib.inc).

زاد العقول والأرواح ( ١٨ ) { لا ينال عهدي الظالمين }

للمفسرين كلام طويل في المراد بهذه الجملة الكريمة من كلام الله تعالى، وخلاصته ما قال الحافظ ابن كثير: ( لما جعل الله إبراهيم إماما، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته ، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم)
أي: لا يجوز أن يكون الظالم بمحل من يقبل منهم أوامر الله - كما قال القرطبي -.
فالظالم ليس أهلا للإمامة، وإن تولاها، فليس أهلا للاقتداء به.
وأشرف أنواع الإمامة: إمامة الدين، التي لا يستحقها إلا المتقون، الذين صبروا وكانوا بآيات الله يوقنون. "فلا يكون الظالم إماما للمتقين"، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
والذي أريد التنبيه عليه هنا هو أنه يقع من بعض من ينتسب للعلم والفضل ظلمٌ شنيع وهم لا يشعرون، وذلك بوقوعهم في أعراض المسلمين - أيّا كانوا - وتساهلهم في الحكم على الناس بما لم يتبين لهم؛ فيقعون في الظلم والعدوان!
فمنهم من يقع في الحكام والمسؤولين بإطلاق، وبدون حجة بينة ولا مبرر شرعي.
 ومنهم من يقع في الدعاة والعلماء لمجرد أنهم خالفوا ما يريد، وسلكوا مسلكا لا يراه مناسبا ولا لائقا بهم. 
ومنهم من يستبيح أعراض المجاهدين، ويتهم نواياهم، ويقدح في جهادهم بسبب أخطاء يرتكبها أفراد منهم.
ومنهم من يطلق الأحكام، ويجّهل المسلمين عموما، ويقدح في عقائدهم.
ومن أسوأهم من لم يسلم منه حتى من مات من المسلمين؛ فيبدعهم ويضللهم ويخطئهم بلا حجة ولا برهان.
وقد يُظهر فعله هذا في صورة النصح الواجب الذي لا بد منه، ولا غنى للأمة عنه!.
فهؤلاء لا يستحقون الإمامة، ولا ينالهم عهد الله الذي جعله لأوليائه الصادقين، وذلك ( لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟) كما في تفسير السعدي.
وأختم بهذا النقل المهم الذي وجدته في كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، حيث قال رحمه الله:
( اجتمعت في أيام الطلب بجماعة من أهل العلم، فسمعت من بعض أهل العلم الحاضرين ثلبا شديدا لوزير من الوزراء، فقلت للمتكلم: أنشدك الله يا فلان أن تجيبني عما أسألك عنه وتصدقني، قال: نعم، قلت له: هذا الثلب الذي جرى منك، هل هو لوازع ديني تجده من نفسك، لكون هذا الذي تثلبته ارتكب منكرا، أو اجترأ على مظلمة أو مظالم؟ أم لكونه في دنيا حسنة وعيشة رافهة؟ ففكر قليلا، ثم قال: ليس ذلك إلا لكون الفاعل ابن الفاعل، يلبس الناعم من الثياب، ويركب الفاره من الدواب ثم عدد من ذلك أشياء، فضحك الحاضرون، وقلت له: أنت إذن ظالم له، تُخاطب بهذه المظلمة بين يدي الله، وتحشر مع الظلمة في الأعراض، وذلك أشد من الظلم في الأموال، عند كل ذي نفس حرة...، وبهذا يقول قائلهم:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول 
وبالجملة، فإني أظن أن الظلمة في الأعراض، أجرأ من الظلمة في الأموال، لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم، وهو المال، الذي به قيام المعاش، وبقاء الحياة، ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنياه، وإن كان سحتا وحراما.
وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والخسران، مع كونه فعل جهد من لا جهد له، وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة، وتستصغر فاعله الطبائع العلية، والقوى الرفيعة.). انتهى بتصرف يسير.
فتأمل قوله: ( فإني أظن أن الظلمة في الأعراض، أجرأ من الظلمة في الأموال ).
اللهم إنا نعوذ بك أن نظلم أو نُظلم.

الكاتب: 
د. محمد جابر القحطاني