رسالة الخطأ

Notice :Undefined offset: 1 في counter_get_browser() (السطر 80 من /home1/tawenic1/public_html/ar/sites/all/modules/counter/counter.lib.inc).

زاد العقول الأرواح ( 17 ) | { فاستبقوا الخيرات }

هذا الأمر له معنى ظاهر بيّن ذكره المفسرون، ويكثر الاستشهاد بالآية عليه، وهو الحث على المسابقة إلى فعل الخيرات والمبادرة إلى الأعمال الصالحات.
ولا شك في أهمية هذا المعنى، ولا في صحة هذا الاستدلال.
بل إن ما أرشد إليه هذا الأمر بهذا المعنى الظاهر هو ما يتميز به أصحاب الهمم العالية والعزائم الصادقة؛ فمن لم يكن سبّاقا إلى الخيرات مبادرا إلى فعل الطاعات؛ فحري به أن يراجع نفسه ويجتهد في تقوية إيمانه وشحذ همته، حتى لا يُبتلى بالعقوبة التي حذّر منها الصادق الناصح صلى الله عليه وسلم في قوله: ".. لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله - عز وجل -". [صحيح مسلم]
 
والذي أريد إيضاحه والتنبيه عليه هنا هو ما اشتمل عليه هذا التوجيه الرباني من جهتين:
الأولى: من جهة اللفظ، وهو "فاستبقوا"؛ حيث يستفاد منه وجود من تسابقهم، إذ لا يُتصور استباق إلا بمشاركة آخرين.
وهذا يفيد الحث على مصاحبة الصالحين وملازمة المؤمنين ومنافسة المحسنين.
 
ومهما حرص العبد على فعل الخيرات وحده؛ فإنه عرضة للفتور والكسل، وقد لا يسلم من الانحراف والزلل؛ فالشيطان يتربص به لقربه منه، "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
كما أن السائر في الطريق لا يمكنه أن يعرف مدى سرعته وقوة سيره إلا من خلال النظر إلى من ينافسه ويسابقه.
فكم من مجتهد كان يحسب نفسه وحيد عصره وسابقَ أهل زمانه، فلما رأى غيره وخالط أقرانه، تبيّن له أنه لا يزال في مؤخرة الركب، وفي ذيل القائمة. 
 
والجهة الثانية: جهة السياق؛ فقد ورد هذا الأمر "فاستبقوا الخيرات" في موضعين، وكلاهما جاء في سياق الحديث عن أهل الكتاب في شأن القبلة، وفي 
الحكم بما أنزل الله، مع الرد عليهم وبيان ضلالهم عن الحق.
 
وفي هذا إشارة إلى أنه يتعين على من تصدى لأهل الباطل واشتغل بالرد عليهم أن يجاهد نفسه في المسارعة إلى الطاعات والمسابقة إلى الخيرات، لئلا يسقط أمام أعدائه، ولا ينهزم أمام مخالفيه.
جاء في نظم الدرر للبقاعي: ( {فاستبقوا الخيرات} أي افعلوا في المبادرة إليها بغاية الجهد فعل من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه له.) انتهى.
 
وفيه إشارة أيضا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أن أهل الحق هم الذين لا يسبقهم إلى الله أحد
 
وهذا ما نبّه عليه العلامة ابن القيم بقوله: ( قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات}... وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومنهاهجم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم فقال: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا}، وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه، وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقِبَل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه؛ لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده، وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم، فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد، فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا فلا يعبدون غيره ولا يدينون بغير دينه إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة؛ فإذا كان أكثر الناس قد أبى إلا كفورا وذهابا في الطرق الباطلة وعبادة غيره وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون للخيرات وبادروا إليها ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل هذا السر البديع في السورتين.)
انتهى من بدائع الفوائد.

الكاتب: 
د. محمد جابر القحطاني